الآلوسي

172

تفسير الآلوسي

وقوله سبحانه : * ( في ظُلُمَات الأَرْض ) * متعلق بمحذوف وقع صفة لحبة مفيدة لكمال ظهور علمه تعالى ، والمراد من ظلمات الأرض بطونها ، وكني بالظلمة عن البطن لأنه لا يدرك فيه كما لا يدرك في الظلمة . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المراد ظلمات الأرض ما تحت الصخرة في أسفل الأرضين السبع أو تحت حجر أو شيء ، وقوله تعالى : * ( وَلاَ رَطْب وَلاَ يَابس ) * عطف على * ( ورقة ) * أيضاً داخل معها في حكمها ، والمراد بالرطب واليابس رطب ويابس من شأنهما السقوط كالثمار مثلاً لاقتضاء العطف ذلك . وقوله سبحانه : * ( إلاَّ في كتَاب مُّبين ) * كالتكرير لقوله سبحانه : * ( إلا يعلمها ) * لأن معناهما واحد في المآل سواء أريد بالكتاب المبين علمه تعالى أو اللوح المحفوظ الذي هو محل معلوماته سبحانه ، وإلى هذا ذهب الزمخشري وأراد كما قال السعد : أنه تكرير من جهة المعنى ، وأما من جهة اللفظ فهو صفة للمذكورات كما أن * ( إلا يعلمها ) * صفة لورقة . وأورد عليه بأن صفة شيء كيف تكون تكريراً لصفة شيء آخر معنى . وأجيب بأنه غير وارد لأن الورقة داخلة في الرطب واليابس فلا تغاير بحسب المعنى فيصح ما ذكر ، وقيل : إنه بدل من الاستثناء الأول بدل الكل إن فسر الكتاب بالعلم وبدل الاشتمال إن فسر باللوح وفيه تأمل . وقرئ * ( ولا حبة . . . ولا رطب ولا يابس ) * بالرفع على العطف على محل * ( ورقة ) * وخص بعضهم هذه القراءة بالأخيرين . وجوز أن يكون الرفع على الابتداء والخبر * ( إلا في كتاب ) * قيل هو الأنسب بالمقام لشمول الرطب واليابس حينئذٍ لما ليس من شأنه السقوط . وقد جعلهما غير واحد شاملين لجميع الأشياء لأن الأجسام كلها لا تخلو من أن تكون رطبة أو يابسة ويدخل في ذلك الحار والبارد ، والمراد من كل معناه اللغوي لا مصطلح الأطباء كما لا يخفى . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالرطب ما ينبت وباليابس ما لا ينبت . وفي رواية أخرى عنه أن الأول الماء والثاني الثرى . وروى أبو الشيخ عنه ما يفيد العموم ، ولعله الأولى بالقبول ، وقيل : الرطب الحي واليابس الميت . وروى الإمامية عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه قال : الورقة السقط والحبة الولد وظلمات الأرض الأرحام والرطب ما يحيى واليابس ما يغيض ، وأنا أجل أبا عبد الله رضي الله تعالى عنه عن التفوه بهذا التفسير إذ هو خلاف الظاهر جداً ، ومثله في عدم التبادر ما أخرجه أبو الشيخ عن محمد بن جحادة أنه قال : إن لله تعالى شجرة تحت العرش ليس مخلوق إلا له فيها ورقة فإذا سقطت ورقته خرجت روحه من جسده ، وذلك قوله سبحانه : * ( وما تسقط من ورقة ) * ثم إن تفسير الكتاب باللوح هو الذي مشى عليه جماعة من المفسرين منهم الزجاج فقد قال : إنه تعالى أثبت المعلومات في كتاب من قبل أن يخلق الخلق كما قال سبحانه : * ( إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ) * ( الحديد : 22 ) وفي رواية لمسلم : " إن الله تعالى كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماء والأرض بخمسين ألف سنة " . وفائدة ذلك أمور : أحدها : اعتبار الملائكة عليهم السلام موافقات المحدثات للمعلومات الإلهية . وثانيها : وعليه اقتصر الحسن تنبيه المكلفين على عدم إهمال أحوالهم المشتملة على الثواب والعقاب حيث ذكر أن الورقة والحبة في الكتاب . وثالثها : عدم تغيير الموجودات عن الترتيب السابق في الكتاب ، ولذا جاء " جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة " ، وهذا الكتاب يسمى اللوح المحفوظ لحفظه عن التحريف ووصول الشياطين إليه أو من المحو والإثبات بناءً على أنهما إنما يكونان في صحف الملائكة دونه . والبلخي اختار